علي بن يوسف القفطي
182
إنباه الرواة على أنباه النحاة
ابن طاهر في هذه السنة أوّل يوم من المحرّم ، وصحبته ثلاث عشرة سنة إلى أن توفّى - رحمه اللَّه . وقال : أقعدني محمد بن عبد اللَّه بن طاهر مع ابنه طاهر ، وأفرد لي دارا في داره ، وأقام لنا وصيفة ، وكنت أقعد معه إلى أربع ساعات من النهار ، وأنصرف إذا أراد الغداء ، فنمى ذلك إليه ، فوجّه فكسا البهو والأروقة والمجالس الخيش ( 1 ) ، وأضعف ما كان يعدّ من الألوان والثلج والفاكهة والخوان ( 2 ) ، فلما حضر وقت الانصراف انصرفت ، فنمى ذلك إليه ، فقال للخادم الموكَّل بطاهر : نمى إليّ انصراف أحمد بن يحيى في وقت الطعام والفاكهة ، فظننت أنه استقلّ ما كان نحضره ، وأنه لم يستطب الموضع ، فأضعفنا ما كان يقام ، وزدنا ( 3 ) في الخيش ، ثم نمى إليّ أنه قد انصرف بعد ذلك ، فتقول له عن نفسك : بيتك أبرد من بيتنا ! أو طعامك أطيب من طعامنا ! وتقول له عنّى : انصرافك إلى منزلك في وقت الغداء هجنة ( 4 ) علينا . فلما عرّفنى الخادم ذلك أقمت ، فكنت على هذا الحال ثلاث عشرة سنة ، وكان يتغدّى معنا من يحضر من خاصّته ، مثل أبى عون وغيره ، وكان يقيم لي مع ذلك كل يوم سبع وظائف ( 5 ) من الخبز الخشكار ( 6 ) ، ووظيفة من الخبز السّميذ ( 7 ) ، وتسعة
--> ( 1 ) الخيش : نسيج غليظ الخيوط يتخذ من الكتان . ( 2 ) في الأصل : « الحيوان » ، وما أثبته عن كتاب طبقات الزبيديّ ، والقصة مذكورة فيه . ( 3 ) في الأصل : « زادنا » ، وهو تحريف ، وما أثبته عن طبقات الزبيديّ وما يقتضيه السياق . ( 4 ) يراد بالهجنة هنا : ما يلزم من فعله العيب والذم . ( 5 ) الوظائف : جمع وظيفة ، وهى ما يقدر للشخص في اليوم من طعام أو رزق أو غيره . ( 6 ) الخشكار : كلمة فارسية ، يراد بها الدقيق غير المنخول . ( 7 ) الخبز السميذ : ما يتخذ من لباب الدقيق .